اللواء أ. ح. أشرف فوزي يكتب: وراء المقاتل وطن.. كيف صنعت الجبهة الداخلية نصر أكتوبر؟

بعد سنوات قاسية أعقبت يونيو ١٩٦٧، لم تستسلم مصر للهزيمة، بل أعادت بناء قواتها المسلحة، واستعادت ثقتها، وتهيأت الدولة والمجتمع لمعركة التحرير. وعندما جاء السادس من أكتوبر ١٩٧٣، لم يكن المقاتل وحده على خط المواجهة؛ كانت خلفه جبهة داخلية تؤدي دورها بإيمان ومسؤولية.
ففي كل بيت مصري كانت هناك قصة من قصص الصمود؛ أم تودع ابنها وهو يؤدي واجبه، وأسرة تتحمل غيابه، وأسرة أخرى تستقبل خبر استشهاده بالصبر، وهي مؤمنة بأن الوطن يستحق التضحية. وفي المصانع، واصل العمال العمل والإنتاج رغم ظروف الحرب، وفي الحقول حافظ الفلاحون على الإنتاج وتوفير الغذاء، بينما وقف الأطباء والممرضون وأطقم الإسعاف في المستشفيات لاستقبال المصابين وتقديم الرعاية لهم، وشارك المواطنون في صور متعددة من الدعم والتطوع والتكافل.
كما استمرت وسائل النقل والاتصالات والمرافق والخدمات الأساسية في أداء واجباتها، لأن استمرار الدولة كان في حد ذاته جزءًا من الصمود. وكان للمعلمين والطلاب والجامعات، وللإعلام والفن والثقافة، دور في الحفاظ على الروح الوطنية وبث الثقة ومواجهة الإحباط. وتكاملت مؤسسات الدولة في تنظيم الموارد وتوجيه الإمكانات لخدمة المجهود الحربي، بينما ظل كل مواطن يؤدي دوره في موقعه، مدركًا أن الدفاع عن الوطن ليس مسؤولية المقاتل وحده.
وهكذا أصبحت الجبهة الداخلية شريكًا حقيقيًا في معركة الصمود؛ حافظت على تماسك المجتمع، واستمرار الإنتاج، وتقديم الرعاية، ورفع المعنويات، ومنحت المقاتل يقينًا بأن وراءه شعبًا كاملًا يقف معه.
إن عظمة نصر أكتوبر لا تكمن في المعركة العسكرية وحدها، وإنما في ذلك التلاحم الذي جمع المصريين حول هدف واحد. فقد كان الجندي يعبر القناة، بينما كانت مصر كلها تعمل وتصمد وتساند وتنتظر النصر.
ولهذا سيبقى أكتوبر درسًا خالدًا في تاريخ مصر: عندما تتحول الوطنية من شعار إلى عمل، ويتحول التكاتف إلى مسؤولية، يصبح الوطن كله قوةً واحدة. فالمقاتل الذي حمل سلاحه في الجبهة كان يحمل خلفه وطنًا كاملًا، والجبهة الداخلية التي صمدت وأدت واجبها كانت شريكًا أصيلًا في صناعة النصر. وهكذا أثبت المصريون أن أعظم انتصارات الوطن تبدأ من وحدة إرادته، وأن مصر حين تتوحد شعبًا وجيشًا ودولة، تستطيع أن تصنع من أصعب المحن صفحات خالدة في تاريخها.
الخبير الأمني والاستراتيجي




