حزمة دراسات وأدلة استرشادية حديثة تعزز صمود الأسرة العربية أمام الأزمات والصراعات بمناسبة مرور 20 عاما لشراكة معهد الدوحة للأسرة والجامعة العربية
الشيخ جاسم آل ثانى : قطر تؤمن بأن الاستثمار فى الإنسان الأكثر أهمية في مستقبل المجتمعات.. والدكتورة شريفة العمادي تدع للتركيز على حماية النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة

كتب: محمد حربي
في الذكرى العشرين من الشراكة بين معهد الدوحة الدولي للأسرة، مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية (قطاع الشؤون الاجتماعية – إدارة السياسات السكانية – الأمانة الفنية للمجلس العربي للسكان والتنمية) وإدارة الأسرة والطفولة، أُقيم مؤتمر بعنوان “عشرون عاماً من الشراكة الاستراتيجية من أجل السكان والأسرة العربية”؛ والتي تشكل محطة استثنائية تحتفي عقدين من الزمان على الشراكة الفاعلة؛ وتستعرض أدلة جديدة لصانعي السياسات عبر إطلاق حزمة من الدراسات والأدلة الاسترشادية الحديثة موجهة لدعم الأسرة العربية وتعزيز صمودها أمام الأزمات والصراعات.

والفعالية التي تختتم أعمالها اليوم، استعرضت من خلال خمسة محاور رئيسية: حصيلة عقدين من الشراكة في مجال السياسات الأسرية العربية، من خلال قراءة تحليلية لأبرز الإنجازات والتحولات المنهجية في التعامل مع قضايا الأسرة ضمن الأجندات الوطنية والإقليمية، فيما يناقش المحور الثاني الوقاية والتأهيل الأسري باعتبارهما مدخلًا لتعزيز الاستقرار المجتمعي، مع التركيز على الدليل الاسترشادي لتأهيل المقبلين على الزواج وآليات تطبيقه بما يتناسب مع خصوصية الأقاليم العربية.
وهدفت الفعالية إلى تقصي وتحديد آثار الأزمات والصراعات المسلحة على استقرار الأسرة العربية وحماية الفئات الهشة والأطفال، والنساء، وكبار السن وذوي الإعاقة، فضلا عن تعزيز إدماج البعد الأسري في خطط الاستجابة للطوارئ، وإدارة الأزمات، والتعافي المبكر، وإعادة الإدماج المجتمعي، وصياغة توصيات عملية قابلة للتطبيق ترفع للمجالس الوزارية والجهات المختصة لدعم الحماية الاجتماعية وصمود الأسرة.

كما بحثت الفعالية، إلى سبل تعزيز صمود الأسرة في مواجهة الصراعات والحروب والنزوح القسري، من خلال وضع الأطر الأولية لدليل التدخلات الحكومية ودمج البعد الأسري في برامج الإغاثة والتعافي، إلى جانب دراسة الديناميات السكانية والتحولات الأسرية في أعقاب الأزمات الصحية المركبة، وانعكاسات جائحة كوفيد-19 على التركيبة السكانية والرفاه الاجتماعي.. ويتناول المحور الخامس قضايا الأمان الاقتصادي والحماية الاجتماعية للأسرة، من خلال تقييم وتطوير صناديق النفقة وآليات ضمان حقوق الأمهات والأطفال في حالات التفكك الأسري والظروف الانتقالية، مع استعراض عدد من التجارب الوطنية في هذا المجال.

وتستهدف الفعالية ممثلي أعضاء المجلس العربي للسكان والتنمية والأسرة والتخطيط والإحصاء ووزارات العدل في الدول العربية، وممثلي الأمانة العامة لجامعة الدول العربية والمجالس الوزارية المتخصصة والخبراء والأكاديميين وصناع السياسات والمتخصصين في القضايا الاجتماعية والديموغرافية والشرعية وممثلي وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالتنمية والسكان والأسرة والحماية الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الفاعلة في مجال السكان دعم الأسرة والحماية الاجتماعية.
ومن المتوقع أن تسفر الفعالية عن خارطة طريق عمل تنفيذية لتفعيل الدليل الاسترشادي لتأهيل المقبلين على الزواج” ودعم بناء برامج وطنية إلزامية أو اختيارية، فضلا عن الإعلان عن الشراكة في إعداد دليل للتدخلات الحكومية الفاعلة لتعزيز صمود الاسرة وحمايتها تنفيذاً للقرار رقم 12 الصادر عن الدورة العادية السابعة للمجلس العربي للسكان والتنمية والتي عقدت ببغداد (4) ديسمبر (2025).

كما تسعى الفعالية الى إطلاق وتدارس تقرير “تأثير كوفيد – 19 في ديناميات السكان في العالم العربي”، والإعلان عن دراسة تأثير الحروب والصراعات على الأسر العربية النازحة واللاجئة “، فضلا عن الإعلان عن الشراكة في مشروعي: دراسة “الإعاقة رحلة حياة رصد وتحليل منظومة الدعم والتمكين في العالم العربي”، والاستراتيجية العربية للطفولة المبكرة.
وقد نفذ معهد الدوحة الدولي للأسرة بالتعاون مع جامعة الدول العربية، عدد من المبادرات الريادية، التي أسهمت بشكل مباشر في إثراء المحتوى المعرفي والسياساتي الموجه للأسرة على امتداد الوطن العربي.
كما تجسدت الشراكة بينهما في مشاريع استراتيجية بارزة، من بينها: إصدار وثيقة الأسرة العربية في إطار التنمية المستدامة 2016 والتي شكلت إطاراً مرجعياً إقليمياً لدمج أبعاد الرفاه الأسري في الخطط التنموية الوطنية، وإطلاق كتاب “حالة الزواج في العالم العربي 2019 الذي قدم تحليلاً ديموغرافياً واجتماعياً شاملاً لاتجاهات مؤسسة الزواج والتحديات التي تواجهها، فضلا عن دراسة تقييم العلاقات الزوجية خلال الخمس سنوات الأولى للزواج 2021 لتقديم معطيات دقيقة حول عوامل الاستقرار والتفكك الأسري المبكر.
وأكد الشيخ جاسم بن عبد الرحمن آل ثانى سفير دولة قطر بالقاهرة مندوبها الدائم لدى الجامعة العربية ؛ أن دولة قطر تؤمن بأن الاستثمار فى الإنسان الأكثر أهمية في مستقبل المجتمعات وفى هذا السياق يضطلع معهد الدوحة الدوحة الدولى للأسرة بدور مهم في توفير المعرفة العلمية لدعم المؤسسات فى المنطقة العربية لدعم أسس الأسرة.
موضحاً، أن التحديات التى تواجه الأسرة تتمثل فى التحولات الديموغرافية والاقتصادية والتكنولوجيا الرقمية التى تفرض ضرورة تعزيز دور الأسرة في مواجهة هذه التحديات وهذا بتطلب رؤية عربية متكاملة تستند الى البيانات والأسس العلمية وتعزيز التعاون بين المؤسسات والحكومات بالدول العربية وتوفير حماية للطفل؛ معرباً عن تقديره للجهود التي يبذلها معهد الدوحة الدولي للأسرة وجامعة الدول العربية، وللشراكة الممتدة التي تجمعهما، والتي أسهمت، على مدى عقدين من الزمن، في دعم قضايا السكان والأسرة والتنمية في المنطقة العربية، وتعزيز الحوار وتبادل الخبرات والمعارف بشأن التحديات التي تواجه الأسرة العربية.
من جانبها أكدت الدكتورة شريفة نعمان العمادى- المدير التنفيذي ل معهد الدوحة الدولي للأسرة بقطر، علي أهمية الشراكة بين جامعة الدول العربية ومعهد الدوحة الدولي للأسرة، مشيرة إلى أنها أسهمت منذ تأسيس المعهد عام 2006 في تحويل الرؤى المتعلقة بحماية الأسرة إلى سياسات وقرارات وأدوات عمل استرشادية تخدم الأسرة العربية في مختلف الدول.
موضحة أن من أبرز ثمار هذا التعاون إعداد الدليل الاسترشادي لبرنامج تأهيل المقبلين على الزواج، الذي يستند إلى الأدلة والدراسات والخبرات الإقليمية، ويستهدف توفير برامج تأهيلية تسهم في الوقاية من المشكلات الزوجية وتعزيز استقرار الأسر الجديدة.
وأضافت أن التعاون المشترك شمل عددًا من المحطات المهمة، من بينها وثيقة الأسرة العربية، والكتاب الخاص بتوجهات الزواج في العالم العربي، ودراسة تقييم العلاقات الزوجية خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج، إلى جانب تنظيم الفعاليات والمبادرات الإقليمية والدولية المعنية بقضايا الأسرة.
وشددت على أن دعم صمود الأسرة وحمايتها في أوقات الأزمات والنزاعات يمثل جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي والاجتماعي، داعية إلى إدماج احتياجات الأسرة في خطط الاستجابة للطوارئ والإغاثة، مع التركيز على حماية النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
ومن جانبه، أكد الدكتور نظير محمد عياد- مفتي جمهورية مصر العربية و رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء بالعالم، بأن ما يمنح احتفاليّة اليوم أهميّتها البالغة، ويجعلها جديرةً بكلّ اهتمام وتقدير، أنّها لا تقف عند حدود الاحتفاء بمسيرة الشّراكة الاستراتيجيّة بين معهد الدّوحة الدّوليّ للأسرة وجامعة الدّول العربيّة، وإنّما تتجاوز ذلك إلى إبراز ما أثمرت عنه هذه الشّراكة من أطر عمليّة، ومبادرات تنفيذيّة، ومشروعات أسريّة متميّزة، استطاعت أن تنتقل من حيّز التّصوّر النّظريّ إلى ميدان التّطبيق العمليّ، وأن تسهم إسهامًا ملموسًا في تعزيز الاستقرار الأسريّ، وتصحيح المفاهيم المغلوطة المتعلّقة بقضايا الأسرة المعاصرة. وتلك، في تقديري، هي القيمة الحقيقيّة لهذه الشّراكة؛ إذ لا تقاس أهميّة الجهود بما يبذل فيها من مساع فحسب، وإنّما بما تتركه من أثر في واقع الأسرة، وما تحقّقه من نتائج تعود عليها وعلى المجتمع بالخير والاستقرار.
موضحاً بأن ما يواجه الأسرة اليوم ليس مجرّد تحدّيات عاديّة أو عابرة، وإنّما هي تحدّيات جسام تستهدف القيم الأسريّة بشكل سلبيّ ومباشر، وتتكاثر هذه التّحدّيات وتتعاظم مع تسارع الأحداث والوقائع الدّوليّة المعاصرة، بالإضافة إلى تنامي تقنيّات الذّكاء الاصطناعيّ وبرامجه وأدواته، التي تخترق جدران الأسرة من الأساس، دون أن يشعر بها أحد؛ مشيراً إلى أن هذه التّحدّيات تتمثّل في تغيير مفاهيم الأسرة الثّابتة والمستقرّة عبر مئات السّنين، وفي الحروب والصّراعات التي تثقل كاهل الأسرة وتشتّت جمعها وتفرّق شملها، وفيما تروّج له وسائل التّواصل الاجتماعيّ الحديثة من وعي مزيّف حول قضايا الأسرة المستقرّة؛ لافتاً إلى أن التّحدّيات تتطلّب منّا جميعًا تضافر جهودنا نحو تعزيز تماسك الأسرة، ودعم صمودها في ظلّ ما يئنّ منه العالم اليوم من حروب وصراعات.
وأضاف بأنه لعلّ أعمق ما ينبغي أن ندركه في هذا المقام أنّ قضيّة الأسرة ليست قضيّةً اجتماعيّةً جزئيّةً، وإنّما هي، في جوهرها، قضيّة بناء الإنسان وصناعة مستقبل المجتمعات؛ فالأسرة ليست مجرّد إطار يجمع أفرادًا تحت سقف واحد، وإنّما هي المحضن الأوّل الذي تتشكّل فيه شخصيّة الإنسان، وتتأصّل في وجدانه معاني الرّحمة والمسؤوليّة والانتماء، ويتعلّم فيه كيف يكون صالحًا في نفسه، نافعًا لمجتمعه. وإذا كان بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، فإنّ بناء الإنسان يبدأ من الأسرة؛ ومن هنا، فإنّ صيانة الأسرة ليست حمايةً لكيان اجتماعيّ فحسب، بل هي حماية لأمن المجتمع واستقراره وهويّته ومستقبله.
مشدداً على أنه لا ينبغي أن يقاس تقدّم المجتمعات بما تحرزه من إنجازات مادّيّة وتقنيّة وحدها، وإنّما بما تستطيع أن تحفظه من قيم، وما تقيمه من توازن بين التّقدّم المادّيّ والتّماسك الإنسانيّ؛ فما قيمة أن تتقدّم أدوات الحياة إذا تراجعت معانيها، أو أن تتّسع وسائل الاتّصال إذا ضاقت مساحات التّواصل والرّحمة داخل الأسرة الواحدة؟! ولذلك، فإنّ الاستثمار في استقرار الأسرة ووعيها ليس ترفًا اجتماعيًّا، ولا استجابةً عابرةً لأزمة طارئة، وإنّما هو استثمار في الإنسان الذي تقوم عليه نهضة الأوطان، وفي القيم التي تحفظ للمجتمعات تماسكها، وللحضارة معناها وغايتها.
ونوه إلى أن الوعي الشّديد بهذه التّحدّيات جعلتهم في «دار الإفتاء المصريّة» يضطلعون بدور محوريّ في دعم رسالة الأسرة (الدّينيّة والعلميّة والمجتمعيّة)، وذلك من خلال تقديم خدمات وبرامج نوعيّة تستجيب لاحتياجاتها، وتسهم في تعزيز الوعي الدّينيّ الرّشيد بقضاياها، وتحديد المنهجيّة العمليّة لمعالجة الخلافات الأسريّة والزّوجيّة، وترسيخ ثقافة الحوار والتّفاهم، إلى جانب تنمية القدرات العلميّة والمهنيّة لدى أفرادها من خلال البرامج التّدريبيّة المتخصّصة.
ومن ضمن الجهود التي بذلتها دار الإفتاء المصريّة في دعم الاستقرار الأسريّ: (مركز سكن لشؤون الأسرة)، الذي أطلق في أغسطس 2026، امتدادًا لمخرجات أعمال مؤتمر الإفتاء الحادي عشر المعنيّ بقضايا الأسرة، وتجسيدًا لجهود الدّار في تطوير منظومة متكاملة للعناية بالأسرة المصريّة، ودعم استقرارها، وتعزيز قدرتها على مواجهة التّحدّيات المعاصرة، وفق أحكام الشّريعة الإسلاميّة السّمحة ومقاصدها.




